فصل: تفسير الآية رقم (179):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآية رقم (179):

{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)}
{مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لوعد المؤمنين ووعيدِ المنافقين بالعقوبة الدنيويةِ التي هي الفضيحةُ والخِزْيُ إثرَ بيانِ عقوبتِهم الأخرويةِ، والمرادُ بالمؤمنين المخلصون، وأما الخطابُ فقد قيل: إنه لجمهور المصدِّقين من أهل الإخلاصِ وأهلِ النفاقِ، ففيه التفاتٌ في ضمن التلوينِ، والمرادُ بما هم عليه اختلاطُ بعضِهم بعضاً واستواؤهم في إجراء أحكامِ الإسلامِ عليهم، إذ هو القدرُ المشترك بين الفريقين، وقيل: إنه للكفار والمنافقين وهو قولُ ابنِ عباسٍ والضحاكِ ومقاتلٍ والكلبيِّ وأكثرِ المفسرين، ففيه تلوين فقط، ولعل المنافقين عطفٌ تفسيريٌ للكفار وإلا فلا شركةَ بين المؤمنين والمنافقين في أمر من الأمور، والمرادُ بما هم عليه ما مر من القدر المشتركِ فإنه كما يجوز نسبتُه إلى الفريقين معاً يجوز نسبتُه إلى كل منهما لا الكفرُ والنفاقُ كما قيل، فإن المؤمنين ما كانوا مشاركين لهم في ذلك حتى لا يُتركوا عليه، وقيل: إنه للمؤمنين خاصة وهو قولُ أكثرِ أهلِ المعاني ففيه تلوينٌ والتفاتٌ كما مر، والتعرضُ لإيمانهم قبل الخطابِ للإشعار بعلة الحُكم، والمرادُ بما هم عليه ما مر غيرَ مرةٍ، والأولُ هو الأقربُ وإليه جنَح المحقِّقون من أهل التفسير لكونه صريحاً في كون المرادِ بما هم عليه ما ذُكر من القدر المشتركِ بين الفريقين من حيث هو مشترَكٌ بينهما بخلاف القولين الأخيرين فإنهما بمعزل من ذلك، كيف لا والمفهومُ مما عليه المنافقون هو الكفرُ والنفاقُ، ومما عليه المؤمنون هو الإيمانُ والإخلاصُ لا القدرُ المشتركُ بينهما، ولئن فُهم ذلك فإنما يفهم من حيث الانتسابُ إلى أحدهما لا من حيث الانتسابُ إليهما معاً، وعليه يدور أمرُ الاختلاطِ المُحوِجِ إلى الإفراز.
واللام في ليذر إما متعلقةٌ بالخبر المقدّرِ لكان كما هو رأيُ البَصْريةِ، وانتصابُ الفعل بعدها بأن المقدرةِ أي ما كان الله مريداً أو متصدياً لأن يذَرَ المؤمنين الخ، ففي توجيهِ النفيِ إلى إرادة الفعلِ تأكيدُ مبالغةٍ ليست في توجيهه إلى نفسه، وإما مزيدةٌ للتأكيد ناصبةٌ للفعل بنفسها كما هو رأيُ الكوفية، ولا يقدح في ذلك زيادتُها كما لا يقدح زيادةُ حروفِ الجرِّ في عملها. وقوله عز وجل: {حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب} غايةٌ لما يفيده النفيُ المذكورُ كأنه قيل: ما يتركهم الله تعالى على ذلك الاختلاطِ بل يقدِّر الأمورَ ويرتب الأسبابَ حتى يعزِلَ المنافقَ من المؤمن، وفي التعبير عنهما بما ورد به النظمُ الكريمُ تسجيلٌ على كلَ منهما بما يليق به، وإشعارٌ بعلة الحُكمِ. وإفرادُ الخبيثِ والطيبِ مع تعددهما أريد بكل منهما وتكثره لاسيما بعد ذكرِ ما أريد بأحدهما أعني المؤمنين بصيغة الجمعِ للإيذان بأن مدارَ إفرازِ أحدِ الفريقين من الآخر هو اتصافُهما بوصفهما لا خصوصيةُ ذاتِهما وتعددُ آحادِهما كما في مثل قوله تعالى: {ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ} ونظيرُه قولُه تعالى: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} حيث قصد الدَلالةَ على الاتصاف بالوصف من غير تعرضٍ لكون الموصوفِ من العقلاء أو غيرِهم، وتعليقُ المَيْزِ بالخبيث المعبَّرِ به عن المنافق مع أن المتبادرَ مما سبق من عدم تركِ المؤمنين على الاختلاطِ تعلقُه بهم وإفرازُهم عن المنافقين لما أن المَيْزَ الواقع بين الفريقين إنما هو بالتصرف في المنافقين وتغييرِهم من حال إلى حال مغايرةٍ للأولى مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمانِ وإن ظهر مزيدُ إخلاصِهم لا بالتصرف فيهم وتغييرِهم من حال إلى حالٍ أخرى مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار، ولأن فيه مزيدَ تأكيدٍ للوعيد كما أشير إليه في قوله تعالى: {والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح} وإنما لم يُنسَبْ عدمُ التركِ إليهم لما أنه مُشعِرٌ باعتناءٍ بشأنِ من نُسب إليه فإن المتبادرَ منه عدمُ تركِه على حالة غيرِ ملائمةٍ كما يشهد به الذوقُ السليمُ، وقرئ {حتى يُميِّزَ} من التمييز، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب} تمهيدٌ لبيان المَيزِ الموعودِ على طريق تجريدِ الخطابِ للمخلِصين تشريفاً لهم وقوله عز وجل: {وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء} إشارةٌ إلى كيفية وقوعِه على سبيل الإجمالِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في الموضعين لتربية المهابةِ، فالمعنى ما كان الله ليترُك المخلِصين على الاختلاط بالمنافقين بل يرتبُ المبادئ حتى يُخرِجَ المنافقين من بينهم وما يفعل ذلك باطلاعكم على ما في قلوبهم من الكفر والنفاقِ ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله عليه السلام فيخبرُه بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حُكي عنهم بعضُه فيما سلف فيفضحهم على رؤوس الأشهادِ ويخلّصكم من خسة الشركاءِ وسوءِ جوارِهم، والتعرضُ للاجتباء للإيذان بأن الوقوفَ على أمثال تلك الأسرار الغيبيةِ لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى لمنصِب جليلٍ تقاصرت عنه هممُ الأممِ واصطفاه على الجماهير لإرشادهم، وتعميمُ الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدِلالة على أن شأنَه عليه السلام في هذا البابِ أمرٌ متينٌ له أصلٌ أصيلٌ جارٍ على سنة الله تعالى المسلوكةِ فيما بين الرسلِ الخاليةِ عليهم السلام.
وتعميمُ الأمر في قوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسله} مع أن سَوْقَ النظمِ الكريم للإمان بالنبي عليه الصلاة والسلام لإيجاب الإيمانِ بالطريق البرهاني والإشعارِ بأن ذلك مستلزِمٌ للإيمان بالكل، لأنه مصدِّقٌ لما بين يديه من الرسل وهم شهداءُ بصحة نبوتِه عليه الصلاة والسلام، والمأمورُ به الإيمانُ بكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام فيدخُل فيه تصديقُه عليه السلام فيما أخبَر به من أحوال المنافقين دخولاً أولياً هذا هو الذي تقتضيه جزالةُ النظمِ الكريمِ. وقد جُوِّز أن يكون المعنى لا يتركُكم مختلطين حتى يميزَ الخبيثَ من الطيب بأن يكلّفَكم التكاليفَ الصعبةَ التي لا يصبِر عليها إلا الخُلّصُ الذين امتحن الله تعالى قلوبَهم كبذل الأرواحِ في الجهاد وإنفاقِ الأموالِ في سبيل الله تعالى فيُجعل ذلك عِياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم حتى يعلمَ بعضُكم بما في قلب بعض بطريق الاستدلالِ من جهة الوقوفِ على ذات الصدورِ فإن ذلك مما استأثر الله تعالى به.
وأنت خبيرٌ بأن الاستدراكَ باجتباء الرسلِ المنبىءَ عن مزيد مزيتِهم وفضلِ معرفتِهم على الخلق إثرَ بيانِ قصورِ رتبتِهم عن الوقوف على خفايا السرائرِ صريحٌ في أن المرادَ إظهارُ تلك السرائرِ بطريق الوحيِ لا بطريق التكليفِ بما يؤدي إلى خروج أسرارِهم عن رتبة الخفاءِ، وأقربُ من ذلك حملُ الآيةِ الكريمةِ على أن تكون مسوقةً لبيان الحِكمة في إملائه تعالى للكفرة إثرَ بيانِ شريعتِه لهم فالمعنى ما كان الله ليذر المخلِصين على الاختلاط أبداً كما تركهم كذلك إلى الآن لسرَ يقتضيه بل يفرُز عنهم المنافقين، ولذلك فعله يومئذ حيث خلّى الكفرةَ وشأنَهم فأبرز لهم صورةَ الغَلَبةِ فأظهر مَنْ في قلوبهم مرضٌ ما فيها من الخبائث وافتُضحوا على رؤوس الأشهادِ. وقيل: قال الكافرون: إن كان محمدٌ صادقاً فليُخبِرْنا مَنْ يؤمن منا ومن يكفرُ فنزلت. {وَإِن تُؤْمِنُواْ} أي بما ذكر حقَّ الإيمان {وَتَتَّقُواْ} أي عدمَ مراعاةِ حقوقِه أو النفاقَ {فَلَكُمْ} بمقابلة ذلك الإيمانِ والتقوى {أَجْرٌ عَظِيمٌ} لا يُبلغ كُنهُه.

.تفسير الآيات (180- 180):

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)}
{وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ} بيانٌ لحال البخلِ ووخامةِ عاقبتِه وتخطئةٌ لأهله في توهم خِيرتِه حسَبَ بيانِ حالِ الإملاءِ، وإيرادُ ما بخِلوا به، بعنوان إيتاءِ الله تعالى إياه من فضله، للمبالغة في بيان سوءِ صنيعِهم فإن ذلك من موجبات بَذلِه في سبيله كما في قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} والفعلُ مسندٌ إلى الموصول، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لدِلالة الصلةِ عليه، وضميرُ الفصل راجعٌ إليه أي لا يحسَبن الباخلون بما آتاهم الله من فضله من غير أن يكون لهم مَدخلٌ فيه أو استحقاقٌ له هو خيراً لهم من إنفاقه، وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى ضمير من يحسَبُ، والمفعولُ الأولُ هو الموصولُ بتقدير مضافٍ، والثاني ما ذُكر كما هو كذلك على قراءة الخِطاب أي ولا تحسبن بخلَ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} التنصيصُ على شرِّيته لهم مع إدراكها من نفي خيريّتِه للمبالغة في ذلك، والتنوينُ للتفخيم، وقوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة} بيانٌ لكيفية شرِّيته أي سيلزَمون وبالَ ما بخِلوا به من الزكاة حيةً في عنقه تنهشُه من قَرنه إلى قدمه وتنقُر رأسَه وتقول: أنا مالُك.
{وَللَّهِ} وحده لا لأحد غيرِه استقلالاً أو اشتراكاً {مِيرَاثُ السموات والارض} أي ما يتوارثه أهلُهما من مال وغيرِه من الرسالات التي يتوارثها أهلُ السمواتِ والأرض فما لهم يبخلون عليه بمُلكه ولا يُنفقونه في سبيله؟ أو أنه يرث منهم ما يُمسِكونه ولا ينفقونه في سبيله تعالى عند هلاكِهم وتدوم عليهم الحسرةُ والندامة {والله بِمَا تَعْمَلُونَ} من المنع والبخلِ {خَبِيرٌ} فيجازيكم على ذلك. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لتربية المهابةِ، والالتفاتُ للمبالغة في الوعيد، والإشعارِ باشتداد غضبِ الرحمن الناشىءِ من ذكر قبائحِهم، وقرئ بالياء على الظاهر.

.تفسير الآيات (181- 182):

{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)}
{لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} قالته اليهودُ لما سمعوا قوله تعالى: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا} وروي أنه عليه السلام كتب مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهودِ بني قَينُقاعَ يدعوهم إلى الإسلام وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وأن يُقرضوا الله قرضاً حسناً، فقال فنحاصُ: إن الله فقيرٌ حتى سألنا القَرْضَ فلطمه أبو بكر رضي الله عنه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عُنقَك فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله فنزلت. والجمعُ حينئذ مع كون القائلِ واحداً لرضا الباقين بذلك والمعنى أنه لم يخْفَ عليه تعالى وأعد له من العذاب كِفاءً. والتعبيرُ عنه بالسماع للإيذان بأنه من الشناعة والسماجة بحيث لا يرضى قائلُه بأن يسمَعَه سامعٌ، والتوكيدُ القَسَميُّ للتشديد في التهديد والمبالغةِ في الوعيد.
{سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} أي سنكتب ما قالوه من العظيمة الشنعاءِ في صحائف الحفَظةِ أو سنحفظه ونُثبته في علمنا لا ننساه ولا نَهمله كما يثبت المكتوب، والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبداً تدوينُه وإثباتُه لكونه في غاية العِظم والهولِ كيف لا وهو كفرٌ بالله تعالى واستهزاءٌ بالقرآن العظيم والرسولِ الكريمِ ولذلك عُطف عليه قوله تعالى: {وَقَتْلِهِمُ الانبياء} إيذاناً بأنهما في العِظم إخوانٌ وتنبيهاً على أنه ليس بأول جريمةٍ ارتكبوها بل لهم فيه سوابقُ، وأن من اجترأ على قتل الأنبياءِ لم يُستبعَدْ منه أمثالُ هذه العظائمِ، والمرادُ بقتلهم الأنبياءَ رضاهم بفعل أسلافِهم، وقوله تعالى: {بِغَيْرِ حَقّ} متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من قتلهم، أي كائناً بغير حقَ في اعتقادهم أيضاً كما هو في نفس الأمرِ، وقرئ {سيَكتُب} على البناء للفاعل وسيُكتَبُ على البناء للمفعول وقتلُهم بالرفع {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق} أي وننتقم منهم بعد الكَتْبةِ بأن نقول لهم: ذوقوا العذابَ المُحرِقَ كما أذقتم المسلمين الغُصَصَ. وفيه من المبالغات ما لا يخفى، وقرئ {ويقول} بالياء ويُقال على البناء للمفعول {ذلك} إشارةٌ إلى العذاب المذكورِ وما فيه من معنى البعدِ للدِلالة على عِظَم شأنِه وبُعدِ منزلتِه في الهول والفظاعةِ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي بسبب ما اقترفتموه من قتل الأنبياءِ والتفوُّه بمثل تلك العظيمةِ وغيرِها من المعاصي، والتعبيرُ عن الأنفس بالأيدي لما أن عامة أفاعيلِها تزاوَلُ بهن، ومحلُّ {ءانٍ} في قوله تعالى: {وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ} الرفعُ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، أي والأمرُ أنه تعالى ليس بمعذِّب لعبيده بغير ذنبٍ من قِبلهم، والتعبيرُ عن ذلك بنفي الظلمِ مع أن تعذيبَهم بغير ذنبٍ ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهلِ السنة، فضلاً عن كونه ظلماً بالغاً لبيان كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بتصويره بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنه سبحانه من الظلم، كما يعبّر عن ترك الإثابةِ على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمالَ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَمَ مِنْ تخلُّفِه عنها ضياعُها.
وصيغةُ المبالغةِ لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذُكر من التعذيب بغير ذنبٍ في صورة المبالغةِ في الظلم، وقيل: هي لرعاية جمعيةِ العبيدِ من قولهم: فلانٌ ظالمٌ لعبده وظلاّم لعبيده على أنها للمبالغة كماً لا كيفاً.
هذا وقد قيل: محلُّ {ءانٍ} الجرُّ بالعطف على ما قدَّمت وسببيتُه للعذاب من حيث أن نفيَ الظلمِ مستلزِمٌ للعدل المقتضي لإثابة المحسِنِ ومعاقبةِ المُسيءِ، وفسادُه ظاهرٌ فإن تركَ التعذيبِ من مستحِقه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً حتى ينتهضَ نفيُ الظلم سبباً للتعذيب حسبما ذكره القائلُ في سورة الأنفالِ، وقيل: سببيةُ ذنوبهم لعذابهم مقيّدةٌ بانضمام انتفاءِ ظلمِه تعالى إليها إذ لولاه لأمكن أن يعذبَهم بغير ذنوبهم. وأنت خبير بأن إمكانَ تعذيبِه تعالى لعبيده بغير ذنبٍ بل وقوعُه لا ينافي كونَ تعذيبِ هؤلاءِ الكفرةِ بسبب ذنوبهم حتى يُحتاجَ إلى اعتبار عدمِه معه، وإنما يُحتاج إلى اعتبار عدمِه معه، وإنما يحتاج إلى ذلك أنْ لو كان المدعى أن جميعَ تعذيباتِه تعالى بسبب ذنوبِ المعذبين.

.تفسير الآيات (183- 184):

{الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)}
{الَّذِينَ قَالُواْ} نُصِب أو رُفع على الذم، وهم كعبُ بنُ الأشرف ومالكُ بن صيفي وحُيَيُّ بنُ أخطبَ وفنحاصُ بنُ عازوراءَ ووهْبُ بنُ يهوذا {إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا} أي أمرنا في التوراة وأوصانا {أَن لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار} كما كان عليه أمرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ حيث كان يُقرَّب بالقربان فيقوم النبيُّ فيدعو فتنزل نارٌ من السماء فتأكُله أي تُحيله إلى طبعها بالإحراق، وهذا من مُفترَياتهم وأباطيلِهم فإن أكلَ النارِ القربانَ لم يوجب الإيمانَ إلا لكونه معجزةً، فهو وسائرُ المعجزاتِ سواءٌ، ولما كان مُحصّلُ كلامِهم الباطلِ أن عدمَ إيمانِهم برسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم إتيانه بما قالوا ولو تحقق الإتيانُ به لتحقق الإيمانُ رُدّ عليهم بقوله تعالى: {قُلْ} أي تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ} كثيرةُ العددِ كبيرةُ المقدار {مِّن قَبْلِى بالبينات} أي المعجزات الواضحةِ {وبالذى قُلْتُمْ} بعينه من القُربان الذي تأكله النارُ {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صادقين} أي فيما يدل عليه كلامُكم من أنكم تؤمنون لرسول يأتِيكم بما اقترحتموه، فإن زكريا ويحيى وغيرَهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد جاءوكم بما قلتم في معجزات أُخَرَ فما لكم لم تؤمنوا لهم حتى اجترأتم على قتلهم؟ {فَإِن كَذَّبُوكَ} شروعٌ في تسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إثرَ ما أوحي إليه مما يُحزِنه عليه الصلاة والسلام من مقالات الكفرةِ من المشركين واليهود، وقوله تعالى: {فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} تعليلٌ لجواب الشرطِ أي فتَسَلَّ فقد كُذب الخ، ومِنْ متعلقةٌ بكُذب أو بمحذوف هو صفةٌ لرسلٌ أي كائنةٌ من قبلك {جَاءوا بالبينات} أي المعجزات الواضحةِ صفةٌ لرسلٌ {والزبر} هو جمعُ زَبورٍ وهو الكتابُ المقصورُ على الحِكَم من زَبَرْتُه إذا حسنته، وقيل: الزُبُرُ المواعظُ والزواجرُ من زبَرتُه إذا زجَرتُه {والكتاب المنير} قيل: أي التوراةِ والإنجيلِ والزبورِ، والكتابُ في عرف القرآنِ ما يتضمن الشرائعَ والأحكامَ ولذلك جاء الكتابُ والحكمةُ متعاطِفَيْن في عامة المواقعِ، وقرئ {وبالزُبُر} بإعادة الجارِّ دَلالةً على أنها مغايِرةٌ بالذات للبينات.